ابن عرفة

307

تفسير ابن عرفة

الزمخشري : زعم من لا يرى للجن ثوابا أن اللّه تعالى توعد القاسط بالعقاب ، وما وعد مسلميهم بالثواب ، وكفى بقوله تعالى : فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً وعد الذكر سبب الثواب وموجبه ، واللّه أعدل من أن يعاقب القاسط ولا يثبت الراشد ، انتهى ، وجوب ثواب الراشد عنده عقلا وعندنا نحن شرعا ، فإن قلت : ورد في الشرع ثواب الطائعين من الإنس ولم يرد ثواب الجن ، قلت : هذه المسألة في أسئلة المازري سئل هل الجن مكلفون يثابون أو لا ؟ وأجاب بأنهم مكلفون بالطاعة ومثابون عليها ، وكذا قال ابن عطية القضاعي في موازنة الأعمال ، ويحتمل أن تكون الآية من حذف التقابل ؛ أي فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً وكانوا منعمين في الجنة ، وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فأولئك أساءوا وأجرموا فكانوا لجهنم حطبا . قوله تعالى : وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ . فسر بوجهين : إما أن المعنى لو أطاعوا وتمادوا على الطاعة لأسقيناهم ، أو المراد لو عصوا وتمادوا على طريقة العصيان لأسقيناهم ، وأعاد ابن عطية الضمير في استقاموا على الإنس ، وأعاده الزمخشري على الجن ، ورجح الفخر الأول لقوله لَأَسْقَيْناهُمْ والجن لا يسقون ، وإنما يتم له ذلك على مذهب من يقول عنهم روحانيون لا يأكلون ولا يشربون ، ومذهبنا نحن أنهم أجسام يجوز أكلهم وشربهم كما ورد في الحديث ، فإن قلت : يترجح أن المراد بالاستقامة الطاعة كون الألف واللام في الطريقة للعهد ، فالمراد طريق الحق ، قلت : الطريقتان معهودتان ، لقوله إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ [ سورة النساء : 169 ] ، وقال يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ [ سورة الأحقاف : 30 ] ، وإنما كون يترجح كون المراد بالاستقامة الطاعة المتعدية بعلى المقتضية للاستيلاء والاستعلاء ، فإن قلت : يحتمل أن يكون المعنى : لو استقام الخلق كلهم على الطاعة لأسقيناهم ماء غدقا يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم ، كما ورد في الحديث : " لو لم تذنبوا لذهب اللّه بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم " ، قلت : هذا لم يقله أحد ، ويلزم عليه جعل الاستقامة سببا في الذنب ، فإن قلت : جعل الاستقامة وهي الطاعة على أحد البشيرين سببا في السقيا ، والسقيا سببا في الفتنة فهي سبب السبب مشكل إذا لا يعقل كون الطاعة سببا في النصب [ 81 / 405 ] أو في الطاعة ؛ لأن فيه تحصيل الحاصل ، قلت : هي سبب ؛ لأن بعض المسلمين يرتد عن دينه ولا يدوم على الإسلام . قوله تعالى : عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ .